مجلة “المرأة فى الاسلام”… رحلة جبلية صعبة ومخاض عسير

Front page_Arabic

هالة الكارب

فى امسية 19/8/2017 اطلقت النسخة العربية من مجلة “المرأة فى الاسلام” بدار اتحاد الكتاب السودانيين بالخرطوم وذلك بحضور عامر من المجموعات الشبابية والنسوية ذات التمثيل المقدر او ما اعتدت ان اسميهم انا بجماهير سودان المستقبل. صاحب الامسية ، الغناء البديع للفنانة “لمياء الفاضل” التي ادهشتنا واسعدتنا هي والفرقة الموسيقية المصاحبة ما بين الاداء الموسيقى الرفيع والاغنيات الخالدة لعشة الفلاتية والرائدات من الفنانات السودانيات.

 يصدر العدد الثالث من مجلة المرأة في الإسلام فى ظل واقع محلي وعالمي تشوبه الفوضى والارتباكات، تتعرض فيه البنى القديمة للخلخة، وتشرف مؤسساته بمعارفها وتصوراتها على الانهيار، مقابل فراغ لم يشي بعد بحلول بنى جديدة. نتج عن ذلك، واقع تسوده اللامبالاة ((apathy وعدم الاكتراث، وهي حالة وجدانية لها تجليات سلوكية واخلاقية خطيرة، اصبحت مع الأسف، تمثل النمط السائد والمقنن، ولها تمظهراتها التي تتلبس الدين أو العلمانية ولكنها في حقيقة الأمر تعبر عن ظواهر فارغة و خالية من الجهد والاجتهاد.

 يجسد هذا الواقع عين مقولة (انطونيو غرامشى[1]) المعروفة أيام سيادة الفاشية والنازية فى أوروبا والتي تضمنتها مذكراته المعروفة “بكراسة السجن” يقول: “القديم يموت والجديد مايزال فى مخاض الولادة…… هذا زمن، المسوخ تتجول فية حرة”.

 ليقفز السؤال: ما الذي نريد أن نكونه؟ أنُدفن مع القديم الذي يموت؟، أم نجول مع المسوخ؟، أم ننحاز إلى الخيار الأصعب والذى هو الخوض في آلام الجديد الذي لم يولد بعد؟ .. والأخير هو خيارنا فى “مجلة المرأة في الإسلام”.

 فى حقيقة الأمر، إنّ جوهر الدين الإسلامي هو التثوير والتغيير والتقدم، متى ما أحلنا وقائعه إلى سياقها التاريخي، ومتى ما فهمنا أن فعالية استمراره كانت دوما مرهونة باستجابته الكبيرة لمتغيرات الواقع عبر تجدد التفاسير ,والقراءات ، حتى أصبحت ركنا أساسيا من قواعد فقهه. ولكن، ومع ذلك، نجد في واقعنا الراهن، أن سيطرة النزعة السلفية الرافضة للتجديد، والنزوع نحو القراءة الابتسارية أو الرغبوية المفارقة للسياق قد أقعدت به في الكثير من أمورنا الحياتية المعقدة، خصوصا فيما يتعلق بقضايا المرأة، والتي كان الاسلام فى بداياته سبّاقا في معالجتها، والنهوض بتبعات عدالتها.

 تسلط مجلة ” المرأة فى الاسلام ” الضوء علي إشكالية خطيرة فى العلاقات الجندرية فى السودان، الا وهي، ظاهرة “كره النساء” (المسجونية ) والتي يقنن لها باعتبارها ضمن التقاليد الاسلامية المهيمنة. فلعقود طويلة سادت هذه الظاهرة بأشكال مختلفة، وتمحورت حول الحط من النساء والتقليل من إنسانيتهن ، وتمت صياغة هذة الأفكار المروجة لكرة النساء وتصديرها على أساس أنها جزء من جوهر الدين الإسلامى، بينما هي فى واقع الأمر نتاج القيم البطرياركية التي اجتاحت المجتمعات الاسلامية في أزمنة الانحطاط حيث تم التأصيل لها بواسطة السلط الديكتاتورية المتوالية.

 ويتمحور نهج مجلة (المرأة فى الإسلام) فى أنّ هناك أكثر من نهج ووسيلة لإنهاء ظاهرة كره النساء، فبقدر اهتمامنا واخلاصنا لقيم حقوق الانسان كنهج للتغيير، فإننا ندرك تماماً أنّ قيم العدالة الإجتماعية المستمدة من عقيدتنا وثقافتنا المحلية، هي بالمقابل قيم راسخة فى مجتمعاتنا، ولا يمكن تجاهلها ونحن بصدد التغيير لأنها جزء من هويتنا ومن مكوننا النفسي والأخلاقي، كنساء ورجال من السودان، مسلمين وغير مسلمين.

 إنّ ما اصاب العلائق الجندرية فى السودان جراء سيادة هذه الظاهرة يستعصى على الوصف، فقد صار كره وتحقير واغتيال شخصية النساء وقهر انسانيتهن فعل مقنن، يجد مشروعيته فى الأيدولجيات والممارسات الدينية والسياسية السائدة، وفي الواقع المعاش، و داخل المنظومة الثقافية يمينها ويسارها، مما أدى لتطبيعه كممارسة حياتية، ومن ثمّ، صار كره النساء، جزءاً من بنية العقل والثقافة السائدة، وامتد بسهولة ودون مقاومة ليصبح ضمن القوانين والتشريعات المستندة علي التقاليد والفقه الإسلامي.

 فاصبح كره النساء قيمة مجتمعية تجد تمظهراتها في ظواهر مثل تعدد الزوجات، والعنف المنزلي، والتحرش الجنسي تجاه النساء وغيرها من الانتهاكات والثى للأسف تحولت الى افعال عادية لا تجد استنكارا من المجتمع.

 إنّ اصدارة صيحة (المرأة فى الإسلام) هي محاولة من جانبنا، كنسويات من السودان ومن دول القرن الافريقي، لإستعادة إنسانيتنا واستنباط ما يعيننا على ذلك من الدين والحياة، وفق شروط عادلة تتسق وكرامتنا الإنسانية.

 فى هذا العدد الثالث من الاصدارة ،وبما يحتوى من مواضيع متنوعة ومعاصرة وذات صلة وثيقة بهموم واقعنا، إضافة إلى الفنون التي تعكس مواهب بعض الفنانين من مختلف بقاع العالم والسودان،نأمل ان يجد فيه القارئ وتجد فيه القارئة ما يحفز ويحرض على التأمل والتسلؤل والنقد الخلاق .

 فى تقديرى ان اهم ما يميز هذه الاصدارة هو الاسهام في اثراء المكتبة السودانية بكتابات نسوية اصيلة و مستلهمة من الواقع المعاش وتعبر حقيقة عن هموم وقضايا ملموسة نتداخل معها بشكل يومي.

  ففى هذا العدد سيطالع القراء قصص النساء والرجال من ممبسا إلى الخرطوم ويوغندا ، يناقشون فيها تأثيرات السلفية، وإشكالات “الإسلامفوبيا” ضد الأقليات المسلمة، وكيف تحولت أجساد النساء إلى ساحة معركة مابين صلف السلفية ومركزية النظرة الغربية. كما ستجدون فى هذا العدد أكثر من موضوع حول انخراط النساء فى منظومات الإسلام السياسي الجائرة بأشكالها المختلفة. فى هذا العدد ايضا ستطلعون علي أحوال عاملات المنازل الإثيوبيات في معظم الدول الإسلامية، وكيف يختزل الدين الإسلامي إلى مجرد رمز للاستعلاء العرقي.

 و نحن نقترب من العام 2018، من المهم الانتباه إلى ضرورة الوعي حول جسامة التحديات التي تواجهنا على انه يجب ان لا يثنينا ذلك علي الإطلاق من الإستمرار فى العمل الدؤوب، والدفع نحو التغيير.

 وفي تقديري ايضا انه لا يوجد ملاذ أفضل من [2]مبادئ واخلاقيات النسوية وفي قدرتها علي التعامل النقدي مع خطابات الدين، والثقافة، والتقاليد، و التركيز على محورية حقوق المرأة و مراكمة حساسية خاصة قوامها، الإستجابة لتطلعات النساء وفق اليومى والمعاش ، والعمل بهمة للقضاء على الظروف التي تحط من قدرهن والعمل على تبني قيم التضامن والسعي الذى لا يفتر نحو المساواة والعدالة . هذا النهج وهذه الاخلاقيات فى تقديرى  تتيح مساحات واسعة للحراك الخلاق والجاد نحو مقاربة ومناقشة العديد من القضايا الشائكة، والإستمرار فى أعمالنا وطموحاتنا الداعية للعدالة والمساواة دون الوقوع فى فخاخ اللامبالاة أو التصلب .

 على المستوى الشخصى عندما فكرت فى امر هذه الاصدارة قبل عدة سنوات انتابتني احسايس مختلطة ما بين الاحباط والشك فى تحويل الفكرة الي حقيقة . ولكن ما تعلمته شخصيا خلال هذة الرحلة الشيقة فى انتاج “مجلة المرأة فى الاسلام” هو اننا عندما نفكر فى اى مشروع يجب ان نفكر دوما اننا لسنا بمفردنا، وان هناك العشرات من العقول والطاقات الخلاقة من حولنا . وهذا ما حدث بالفعل. لم يكن من الممكن لهذة الاصدارة ان تخرج الى النور دون جهود العديد من الكوادر الخلاقة والجادة بداية من العدد الاول وحتي العدد الثالث الذى نحن فى حضرته الان.

 أنا فى غاية الامتنان لجهود زميلاتي وزملائي والاصدقاء من اسرة التحرير ولجهود كل الذين اسهموا على المستويات كافة،فى الكتابة والتحرير والبحث والترجمة والفنون الجميلة جدا والتنسيق و الترويج ومن تفضلوا علينا  بالنقد البناء، فدونهم ما كان لهذه الاصدارة ان تستمر ولا ان تزداد رسوخا على رسوخ وانتشارا على انتشار.

الفت الانتباه على ان المجلة موجودة باللغتين، العربية والإنجليزية في موقع امازون العالمي لنشر وفى السودان .. و بأسعار خاصة للطلاب وغير العاملين.  

 

الكاتبة :رئيسة تحرير اصدارة المرأة في الاسلام والمدير الاقليمي لمبادرة نساء القرن الأفريقي (صيحة) الناشرة للإصدارة 

[1] نطونيو غرامشي (1891-1937)فيلسوف ومناضل ماركسي إيطالي صاحب فكر سياسي مبدع داخل الحركة الماركسية. ويطلق على فكره اسم الغرامشية التي هي فلسفة البراكسيس (النشاط العملي والنقدي _ الممارسة الإنسانية والمحسوسة)

[2] – Welch Sharon, A Feminist Ethic of RISK

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s