الغناء والروحانية في الإسلام أوليست الموسيقى غذاءً للروح

Maria.png

 من تمبكتو إلى زنجبار ومن السنغال إلى السودان،
تستطيع الموسيقى توحيد وتقسيم المجتمعات المسلمة على حد سواء. يراها البعض مشكلة، والبعض الآخر حلاً. ثيمبي ميتش تتبعت أصواتهم

مدينة زنزبار، تنزانيا

تجمع حشد من الشابات المنقبات وبعض الرجال خارج مقهى في زنزبار مأخوذين بمنظر إمرأة أفريقية ترتدي المومو أو القفطان  السائد فى غرب أفريقيا مغطاة الرأس تتغنى بشعر الغزل  محاكية صوت اَذان الصلاة. أسر صوت نوال الجلي المستمعين وهي تجلس على شرفة المقهى برفقة  الة جيتار حتى قاطعها صراخ بائع متجول  واضحة عليه معالم الغضب. قال صائحاً فيها “كيف تجرئين على استخدام اسم الله في أغنية؟” وترد نوال في غضب هادئ “أنتم تستخدمون آلة الأورغن في مدحكم الله”.

عزف على وتر المجتمع الحساس: من زنزبار الرملية الى السودان المشمس

في زنزبار القرن الحادي والعشرين كما في معظم أفريقيا والعالم الأسلامي، للموسيقى القدرة على التأجيج بذات القدر الذي كانت تفعل في فارس القديمة حيث كانت الموسيقى والفسيفساء والشعر تصنع للتقرب إلى الله. ولاتزال الإنقسامات القديمة بين الصوفية، أكثر أفرع الإسلام تسامحاً، وهي تؤمن بأنه يمكن للفن وللموسيقى أن يكونا تعبيراً عن التأمل، وبين الأفرع الأكثر محافظة، والتي تؤمن بأن العبادة يجب أن تكون في صمت وأن تكون فردية وبتفكر تثير أسئلة وجودية حول طبيعة الايمان والروحانية.

على الرغم من أن هناك الكثير من الخلاف حول دور الموسيقى أو حظرها في الإسلام، إلا أن نوال المسلمة الملتزمة من جزر القمر، تصر أنه لا يوجد شيء في القرآن يحرم الغناء. وهي تقول “أنا أغني لآمالي وقيمي .إنها مثل التواصل بالأفكار والمشاعر. أريد للجمهور أن ينسى أنني فنانة. أنا لا أقول “حي على الصلاة ” أنا أقول “الله أكبر، ليس هناك ما هو ليس الله”. لذلك، إذا كان هناك من يقتلني لقولي ذلك فهو يقتلني لأني أسبح لله وأحمده. لم آت لتغيير الناس إني هنا لكي أتألق”.

وتواصل نوال حديثها “ينبغي على وسائل الإعلام الغربية أن تعكس صورتي كما هي وأن تظهر الإسلام على أنه حيوي ومنتج ولطيف وإيجابي ليس متطرفاً فقط” إنهاترويقصة حدثت في مهرجان دوليفيبلجيكاعندماإحتج حشد أغلبيته من المسلمين، وكاد أن يثور. غير أن نوال تذكر أنه بعد الإحتفال جاء إليها مسلمون أتراك وفلسطينيون وطوارق وسوريون، رجالاً ونساءاً، وعيونهم مغرورقة بالدموع، يقولون إن أغانيها كانت مؤثرة وعميقة.

ويتردد صدى هذه الاختلافات في السودان كذلك، حيث تستخدم مجموعة كاميراتا الموسيقية الحيوية والديناميكية الموسيقى في معالجة القضايا الإجتماعية. بعيداً عن رؤية الموسيقى بحسبانها منافية للدين، فإن المجموعة تستخدم الموسيقى للجمع بين الأسر والقبائل والعشائر في السودان، من الشمال إلى الجنوب، لإستخدام الغناء في مجابهة التحديات السياسية والاجتماعية. في الواقع إن الموسيقى بالنسبة لكثير من السودانيين المسلمين، جزء لا يتجزأ من الواقع  الإجتماعي، واليومي. يشرح دفع الله مدير أكاديمية السودان للموسيقى والثقافة* مركزالموسيقى التقليدية السودانية بالخرطوم وعضو الفرقة قائلاً “إن الموسيقى والثقافة تعبران عن  المعرفة . فإن كنت تعرف موسيقاي وديني وثقافتي فأنك تحترمني”.

ويواصل دفع الله قبل أن يبدأ بالغناء “نحن لا نتوقف أبداً عن الغناء. الموسيقيى في السودان في كل مكان ً وهكذا كانت للعديد العديد من القرون. إنها جزء من حياتنا، من المولد إلى الممات. عندما تعد المرأة الشاي أو القهوة في الصباح فلها أغنية خاصة. إنها تتغنى وهي تضرب بمدقها في تناغم لتخلق إيقاعاً وهي تطحن القهوة. ثم عندنا ذلك النوع الخاص من غناء البرامكة وهو نوع من الغناء خاص بشرب الشاي هذه أغاني جماعية”. ثم يعطي مثالاً قبل أن يواصل حديثه إنه يشبه أغنيات الحنجرة المنغولية “نحن نغني أغاني الحب لإبلنا لأننا نعتمد عليها. ونغني للصحراء حتى لاتقتلنا. إن كانت عندنا مشاكل في المجتمع فإننا نجمع الكل لحل المشكلة، ونشاور كبارنا، ونتحدث، ونغنى، ثم نتحدث أكثر”.

 مواجهات حول  الموسيقى في شمال مالي

على بعد بضعة آلاف من الأميال إلى الغرب من السودان، في مالي جلبت التوترات بين التفسيرات المتناقضة لدور الموسيقى بالنسبة للمسلمين تركيزاً حاداً بشكل خاص، وفي كثيرمن الأحيان كان مأساوياً، في أعقاب إستيلاء المتشددين الإسلاميين على الجزء  الشمالى من مالي فى  العام الماضي”.

غادرت خيره  أربي المغنية من مالي  و التي بدت  فارهه  في لفافة رأسها الأخاذة وفستانها الأزرق الفخم بوجهها المجعد المتعب، الطائرة لتوها وهي عائدة من شمال  مالي. وهي تقول “نعم إنها حقيقة، لقد رأيتها بعيني، سيقطعون لسانك إن أنت غنيت”. ” لقد رأيت أصدقاء وقد قطعت أياديهم بسبب النغمات في هواتفهم النقالة”.

أربي المعشوقة عبر بلدها  مالي، وتلقب تدليلاً بعندليب الشمال. ولدت في قرية أبارادجو، إلى الشمال من تمبكتو، والديها من خلفيتين إثنيتين مختلفتين أمها من السونغاي وأبوها من البربر. تُعبر موسيقى أربي، التي تفوق موسيقى ابن عمها سالف كيتا ذات الصيت العالمي شهرة في الداخل، عن تنوع مجموعات شمال مالي الإثني وأساليبهم  الشعرية.

بعد تهديدات مستمرة وهجمات من جانب المتشددين الإسلاميين، بما في ذلك تحطيم احهزة الاستيريو في الأسواق وبيوت الناس، ومصادرة أجهزة الراديو وشرائح الهواتف النقالة المحملة بالموسيقى هربت أربي إلى باماكو لتقيم مع سالف كيتا في جزيرته على نهر النيجر. هنالك العديد من الموسيقيين الماليين ضمن الآلاف الذين هربوا جنوباً منذ أن بدأت الأزمة.

كيتا هو الآخر قد أذعن وإستسلم. وقد علق قبل التدخل الدولي ضد المتمردين الإسلاميين قائلاً “إن لم تكن هناك موسيقى فلا وجود لتمبكتو. إن هذا يعنى أنه لم تعد هناك ثقافة في مالي”. وحقاّ فإن تمبكتو تعتبر جزءاً من سلسلة من الممالك الأفريقية ذات التاريخ التليد في التعليم والأدب والحياة الفكرية. إنها موطن إحدى أكبر المكتبات الإسلامية في أفريقيا ونقطة لتلاقي العلماء الذين كانوا يتناقشون ويفسرون القرآن.

غير أنه في العام الماضي، أعلن المتمردون الإسلاميون الذين استولوا على البلدات أن الأضرحة شكل من أشكال الوثنية وفرضوا قيوداً على أنواع من التعبير، مثل الموسيقى، التي كانت جزءاً من النسيج الأساسي للحياة اليومية. مثلها مثل العديد من الماليين، كانت أربي حائرة، وهي تقول “ليس هناك أي نص في القرآن يحرم الموسيقى. لقد قرأته كله، ويمكنني أن أقول لك بأمانة ليس هناك أي شئ فيه يقول لك لا تغني. لم أر أبداً أن الموسيقى حرام”. في الحقيقة إن اربي متشككة جداً من أن الدين هو دافع المتمردين أصلاً. وهي تقول في أصرار “هذه الحرب هي من أجل تجارة المخدرات والأتجار في الأسلحة. إنها من أجل السيطرة على طرق مهمة عبر منطقة تجارية ضاربة في القدم. إنها من أجل المال، والسياسة والسيطرة. إنها ليست من أجل الدين”

الشيخ لو، أحد قدامى المحاربين السنغاليين الذي يمكننا أن يدعوه بمايلز ديفيس الموسيقى الأفريقية، هو أيضاً من الغاضبين على محاولة المتمردين حظر الموسيقى في شمال مالي. شيخ لو مسلم ملتزم من مريدي باي فول الصوفية**. وهو يقول “هؤلاء الناس يسيئون إستخدام إسم الإسلام. ليست لهم علاقة بالأسلام، إنهم إرهابيون، ونحن يجب أن تكون لنا الإرادة ورباطة الجأش لطردهم”

من الواضح إن الموسيقيين المسلميين في أفريقيا؛ من شيخ لو السنغال إلى خيرة أربي مالي إلى كاميراتا السودان إلى نوال جزر القمر ليسوا بصدد الإذعان للضغوط على غنائهم. وحقيقة، على العكس من ذلك فهم يرون الموسيقى أداة للتغيير الإجتماعي. يقول دفع الله “إن الموسيقي الحقيقي لايذهب للنوادي الليلية، بل يظل وسط المجتمع، ويقوده إلى الطريق الصحيح، وهذا يعني السلام والوحدة والتفاهم والتواصل”

وفي الوقت نفسه تصرح أربي بتحد “علينا التزام بالغناء، بالرقص، وبالإحترام، وبإظهار التقدير للمعاناة، والقدرة على التحمل والشجاعة من قبل الناس الذين يقاتلون من أجلنا، ومن أجل أولئك الذين لا يستطيعون الغناء”

“يجب علينا أن نؤلفالأغاني الجميلةقبل الحرب، وأثناء الحرب، وبعد الحرب، للإحتفال بما لدينا”

———————————-

*أعتقد أن التسمية الرسمية للمؤسسة التي يديرها الموسيقي دفع الله الحاج علي هي مركز الموسيقي التقليدية السودانية تحورت بالترجمة إلى أكاديمية السودان للموسيقى والثقافة والأمر يحتاج إلى مزيد من التحقق، غير أن بحثي حتى الآن لم يسفر عن غير هذا. المترجم

**هم من أتباع أحمدو بامبا. المترجم

ترجمه الي العربية: مصطفى هارون

Painting by Maria Naita

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s