أمنة ودود والبحث عن “علاقة شرعية” بين الاسلام وحقوق المرأة

 

كتب : عبدالخالق السر

ربما هي النسوية الاسلامية الاكثر جدلا في وقتنا الراهن. فهي في نظر الكثير من المسلمين الذين يعيشون تحت سلطة المؤسسات الدينية المتشددة ماهي الا محض مهرطقة، بينما أنها  في ذات الوقت، تمثل لكثير من المسلمات والمسلمين الذين ولدوا أو تربوا في الغرب أو المجتمعات العلمانية رمزاً للشجاعة والالهام إن لم يكن نموذجا يحتذى.

من هي أمنة ودود؟

ولدت (ماري تيزلي) – وهو الأسم الاصل للدكتورة أمنة ودود- عام 1952 لاسرة مسيحية من أصل أسود في ولاية ميريلاند الأمريكية. كان والدها قسا يدرس التعاليم الدينية المسيحية. ينحدر نسب امها الى أرقاء المسلمين من العرب البربر في أفريقيا الى حوالي القرن الثامن الميلادي. أعتنقت الاسلام في عام 1972، اي قبل حوالي الثلاث سنوات من حصولها على شهادة البكالوريوس من جامعة بنسلفانيا عام 1975. في عام 1974 غيرت إسمها رسميا الى امينة ودود تأكيدا لإنتمائها لدينها الجديد.

تفسير القرآن كمحاولة نسوية رائدة

ألفت أمنة ودود كتابها الرائد “القرآن والمرأة: إعادة قراءة للنص المقدس من وجهة نظر نسوية”، وهو محاولة غير مسبوقة في التاريخ الاسلامي لتفسير القرآن من قبل إمراة. ففيه قامت بتحقيق أول ترجمة لمعاني لمعاني القرآن تعمل على التحقق من الوجود الفاعل للمرأة داخل النص القرآني والذي – في تقديرها- ظل مخفيا طوال هذه الأزمان بفضل التفسيرات الحصرية للرجال. شأن كل مفكري عصر الحداثة وما بعدها، لجأت ودود الى أداوت التحليل النقدي الحديث من  تحليل خطاب، تأويل، حفر معرفي وفحص دلالي لغوي في محاولة لفحص صحة الترجمات التاريخية البطرياركية والتي ترسخت وتوطدت في التاريخ كحقيقة “إلهية” غير قابلة للنقض أو المساءلة. بالطبع هي ليست نسيج وحدها في هذا الصدد، ولكن فرادتها تأتي في توجه جهدها الخالص للبحث عن وجود مغاير للمرأة في القرآن غير ذلك الذي  رسمه وحدد ملامحه التفسير الرجالي.

وكما أشارت لذلك بوضوح “الغرض من هذا البحث هو أن تكون قراءة القرآن للمرأة المسلمة في عصرنا الحديث هذا مفيدة وذات معنى … والذي أعنيه هنا بكلمة (قراءة) هو عملية فحص مفردات وسياقات الآيات القرآنية في محاولة للدفع بفهم مغاير ومتجدد”.

تطلب منها هذا العمل أن تقوم بدراسة شاملة تستصحب فيها الوعي “الجندري” بقيم المساواة المستبطنة في النص القرآني والمهملة عمدا في ظل التفسيرات الكلاسيكية المتوارثة والمعتمدة في ذات الوقت من قبل الاسلام المؤسسي،  لذا قامت بتتبع التفسيرات التي عملت على حجب المرأة في الشأن العام وتلك التي تحرض وتعمل على تطبيع العنف ضدها، ومضاهاة ذلك بالمعنى في مظانه الأصلية، اي النص المقدس، لتخرج في نهاية مطاف بحثها أن السياقات القرآنية تتحدي مثل هذه التخريجات الفقهية وتجرح في أصالتها العلمية كحقائق. وبصرامة علمية اكدت أن القرآن في الحقيقة لم يضع للرجال والنساء المسلمين وصفة بنيوية واحدة غير قابلة للتغير، بل أنه في حقيقة الأمر يحمل في جوفه قيم ومباديء بمقدورها أن ترشد البشرية جمعاء- رجال ونساء- الى تحقيق حياة منتجة ومفيدة في الحياة الدنيا للبشر كافة مسلمين وغير مسلمين.

 مجددة أم مهرطقة

كان لابد لمثل هذا الجهد العلمي غير المسبوق ان يثير عاصفة في أوساط النخب الاسلامية، من أكاديميين وفقهاء، خصوصا هؤلاء الذين يعيشون في أمريكا والدول الغربية. ولكن الأمر لم يذهب الى أبعد من الخطاب العاطفي السائد في مثل هذه المواقف. فهو خطاب كما نعلم يعتمد التبخيس ونظرية المؤامرة كركائز بنيوية في رؤيته لأية رؤية لا تتفق مع رؤيته للإسلام. لا غرو إذن ان يتم تسفيه جهد أمينة وأن يتم توصيفها كمهرطقة أو ذات حظ ضعيف في معارفها بالاسلام “الحقيقي”! حسب تعليق القرضاوي. وكما تشهد الكثير من المواقف المشابهة فإن مثل هذه التعليقات التي تمارس مثل هذا الازدراء بغير حق، يرقى في كثير من الأحيان الى مستوى عدم الأمانة، وما موقفهم من أمينة ودود إلاّ دليل على ذلك.

فالثابت أن الدكتورة أمينة ودود لم تخوض هذه المغامرة الجسورة خالية وفاض أو جزافا، كما حاولوا أن يروجوا، بقدر ما انها أعدت لنفسها العدة مبكرا. فهي قد حصلت على درجة الماجستير في دراسات الشرق الأدنى. كما حازت على الدكتوراة في اللغة العربية والدراسات الاسلامية من جامعة متشجيان الأمريكية في عام 1988. ثم قامت بعمل دراسات متقدمة في اللغة العربية بالجامعة الأمريكية بمصر مصحوبة في ذات الوقت بدراسة القرآن والتفسير بجامعة القاهرة. لم تكتفي ودود بذلك، بل عملت ايضا على دراسة الفلسفة بالأزهر تعزيزا لقدراتها في اللغة العربية والاسلام على السواء.

(الجهاد من أجل المساواة بين الجنسين (الجهادي الجندري

الجهاد الجندري من المصكوكات المصطلحية الرائجة لأمنة ودود. وهو مصطلح ذا حمولة رمزية ودلالية كبيرة يعمل في جزء منه لاضاءة الموقف الفكري والمبديء للمفكرة، وهو نصرة المرأة المسلمة وحصولها على وضع اجتماعي وديني مساوي للرجل من خلال المباديء الاسلامية نفسها، كما يعمل ضمنيا لاضفاء قيمة إيجابية  لمصطلح “الجهاد” الذي ساء استخدامه كثيرا من قبل الجماعات المتطرفة في الوقت الراهن.

من هنا يمكن القول ان المساواة بين الجنسين في الاسلام هي المهمة المقدسة أو الجهاد الأعظم الذي نذرت له أمينة ودود نفسها وعلمها. ففي دراسة قدمتها الى مركز (مساواة)، عملت  فيها على إضاءة المفهوم فلسفيا ورؤيويا وذلك حين أوضحت أن المساواة هي الأصل في الخلق، وما تشديد القرآن على الحساب والجزاء في الحياة الآخرة دون تمييز ما هو الاّ دليل على هذه المساواة. وحكمة ذلك هو أننا كبشر مخلوقين كفل الله لنا الحرية لنختار بين الخير والشر، فمن ثم، فأن الله وحده هو المنوط به محاكمة خلقه. وتصل ودود الى نتيجة مفادها أن الخلل أو فساد العدالة الذي يسود العالم الاسلامي حاليا ما هو الا نتاج موضعة المرأة كمادة للمسئولية الاخلاقية في القانون، مع حرمانها المساواة التي تكفل لها الحق في المشاركة في صنع هذا القانون.

تخلص ودود في نهاية رؤيتها للمساواة بين الجنسين في التخلص أولا من النزعة البطرياركية المهيمنة على المجتمعات الاسلامية. فالبطرياركية –في تقديرها- ليست فقط شراً بل هي خطيئة دينية ترقى لمستوى الشرك، لأنها في جزء منها إنكار للإرادة الإلهية في مساواة الخلق، كما أنها تعزيز لفرضية إبليس في معنى (الاستكبار)، أي أن يدعي الرجال أنهم أفضل من النساء بمباركة الله لهذا التمييز. وهي ترى أن مفهوم (التوحيد) يجب أن يكون هو البديل لهذه العلاقة البطرياركية. حيث أن التوحيد هو أفضل تجسيد للعلاقة التبادلية المتكافئة في مستواها الأفقي.  وهي ترى أن المنطق الذي يقف خلف هذا المفهوم هو أن المسلمين يقرون بأن الله هو وحده العظيم المتعالي، من ثم لا يحق لأية أحد أن يدعي الامتياز أو العلو على بقية خلق الله.

من التنظير الى التطبيق :المرأة كإمام للمسلمين

على عكس النزعة الصفوية التي تسود أوساط المثقفين والمفكرين، حملت أمينة ودود أفكارها ورؤاها للمساواة الجندرية في الاسلام وذهبت بها الى موقع التطبيق والمواجهة غير عابئة بردود الأفعال وما قد يتمخض عنها. فهي مؤمنة تماما بأن التغيير لا يتأتى من خلال التنظير فقط، ولكي يكون لهذه الأفكار حظها في زلزلة ومنازلة الواقع السائد يجب على العالم أو المفكر أن يتجاوز دوره حدود مكتبه. أولى ثمار هذا النزول الى أرض الواقع كان المساهمة في انشاء منظمة (اخوات في الاسلام) الماليزية، إبان عملها في ماليزيا كأستاذة للدراسات الاسلامية. فالمنظمة تضم مجموعة من الاكاديميات والمثقفات المسلمات في ماليزيا، يعملن على مراجعة الاحكام الفقهيه التي تعمل على اضطهاد النساء خصوصا تلك التي تسود قوانين الأحوال الشخصية. ولهن يعود الفضل في تعديل واصلاح هذه القوانين بماليزيا.

لم تكتفي ودود بذلك، بل تبنت منهج الصدمة – إن جاز التعبير- في محاولة لزلزلة المفاهيم الراسخة والتي تقف عقبة في تطبيق مفهوم المساواة بين الجنسين في الاسلام. ففي عام 1995 وكذلك في 2005 قامت أمينة بالقاء خطبة الجمعة وإمامة الصلاة في كل من جنوب أفريقيا ونيويورك. وفي كلا المناسبتين كانت قد أمّت  جموع المصلين من الرجال والنساء. بالطبع لم يمر الحدثين مرور الكرام. فتلكم من الخطوط الحمراء في عرف المحافظين، ولم تسلم من وقتها وحتى راهن اللحظة، من التهديد بالقتل والتحرش والملاحقة ، حتى أنها اليوم لا تستطيع أن تمارس مهنتها كاستاذة للدراسات الاسلامية الا عبر الفيديو من باب الاحتراز الأمني.

لا كرامة لنبي بين قومه:

خلال ثلاثون عاما في حقل الفكر والدراسات الاسلامية، رفدت أمنية ودود المكتبة الاسلامية بغزير إنتاجها من الكتب والدراسات والبحوث، جلها في تعزيز مفهوم (النسوية الاسلامية) والمساواة الجندرية، ومع ذلك تقابل بتجاهل متعمد ومقصود، ليس فقط وسط المجتمعات المسلمة، بل حتى من قبل الأكاديميين والاكاديميات العاملين بحقل الدراسات والفكر الاسلامي في العالم الاسلامي أو الغربي على السواء. هل شأنها في ذلك شأن كل اصحاب الفكر الثاقب الذين يسبقون زمانهم ولا يعترف بجهدهم وإسهامهم الا بعد أزمان من رحيلهم، أم أن الأمر يتعلق بأجواء الابتزاز والترهيب السائدة في العالم الاسلامي ضد كل ما يخلخل الثابت والمألوف؟ أم أن الأمر له صلة بالمصالح الضيقة والامتيازات الشخصية التي يمتنها الوقوف مع القوى التقليدية المهيمنة؟ كل هذا وذاك جزء من الاجحاف الذي ظلت تعانيه الدكتورة أمينة ودود، ولا أجد هناك تعليقا أقوى مما كتبته مجايلتها في ذات المجال الدكتورة أمينة بيفرلي ماكلاود، مديرة برنامج دراسة العالم الاسلامي وبروفيسور الدراسات الاسلامية بجامعة دي بول، عن هذا التجاهل.

تقول ماكلاود (عرفت أمينة ودود في عام 1973 أثناء دراستها للاسلاميات في مرحلة ما قبل الدراسات العليا. ولكن كانت معرفة عابرة، ولكن تجدد اللقاء معها أثناء تدريسها للاسلام بماليزيا. كانت وقتها في بداية حياتها الاكاديمية في مجال الدراسات الاسلامية. في واحدة من الحوارات سألتها عن حالها، أجابت باقتضاب أنها تعاني الاعتراف بقدراتها التعليمية في وسط محتكر تماما للرجال، أستاذة جلهم من العالم العربي وقليلون من دول أخرى. وسألت نفسي بعد هذا الحوار القصير إن كان بمقدورها الصمود في مثل هذا الوسط الرجالي الذي يجد صعوبة في تقبل إمراة تعمل على تدريس الاسلام الذي حسب السائد والمألوف أن يكون حكرا عليهم. المهم، فرغم كل شيء، فقد تتابعت مسيرة أمينة بمشقة بالغة. ففي حين كل شيء كان متاحا لزملائها في المهنة من الرجال لتطوير قدراتهم المعرفية والاكاديمية في مجال الاسلاميات، كانت توضع لها العراقيل بإنتظام. ولم يشفع لها نبوغها أو جدة بحوثها في مجال المساواة للمرأة المسلمة في أن يجذب نحوها الكثير من طالبي الدراسات الاسلامية أو أن تستثير سجالات أكاديمية. حقا أن الأمر يرقى الى درجة المهزلة. والأكثر أسى أن منتوجها المعرفي كان يستخدم في مجال الدراسات النسوية أو التقدمية، وأهمل تماما بعده الروحي والثيولوجي. لم يرد لها أحد التقدم في مجال الدراسات الاسلامية، ولم يتوقفوا في أشعارها بأنها توجد في المكان الخطأ! ومع كل تفوقها وريادتها في مجالها لم تقدم لها أية جائزة أو اعتراف رسمي بإسهامها. ومع ذلك فأن الأكثر إمعانا في الألم هو موقف النساء منها وازدرائهم لها. فهن لا يستنكفن أن يحضرن بالآلآف لندوة يقيمها الرجال، من منظور أن القوامة والكفأة في هذا المجال هي حصرا للرجال.

كانت تعاني الأمرين، فهي مرفوضة من قبل كليات الدراسات النسوية بإعتبار أنها مسلمة ملتزمة، وفي نفس الوقت مرفوضة من قبل الكليات الاسلامية بإعتبار أنها نسوية! كثير هو الذي في خاطري عن أمينة ودود، ولكن إن كان هناك ما يمكن أن يقال فهو الاحساس بالاسى نتاج التجاهل المتعمد الذي تلاقيه إنسانه في قدراتها ومواهبها الفذة، والمتمثل في عدم تحمس الكليات الاسلامية لتوظيفها وانصراف الطلبة والباحثين عن مناقشة أطروحاتها وتقاعس المجتمعات الاسلامية عن الترويج لمبادئها خصوصا النساء منهم أو تمويل أنشطتها المعرفية والاجتماعية. هل كل ذلك لأنها من أصل أفريقي أم لآنها إمراة أم ماذا؟

لقد تحملت أمينة ودود نتاج شجاعتها ومبدئيتها محن فوق التصور. لقد تم طردها من حكومة فرجينيا كممثلة للمسلمين، ولم تتقاعد كما أشيع، وذلك لأن مجتمعات المهاجرين المسلمة طالبت بذلك، لأنهم لم يقدروها أو يقدروا علمها. كل شيء تم لإطفاء جذوة علمها وكل العراقيل نصبت لتحجيمها، ومع ذلك فهي صامدة في الدفاع عما تراه صوابا

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s